الشيخ فخر الدين الطريحي
47
مجمع البحرين
إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز ، فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه ، ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع ، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين ( ع ) من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى الله تعالى ، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن ، ويكون وجه إطلاق ذلك عليه والتشبيه هو : أنه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا وأطلق على ذلك لفظ البداء . قال : وذكر سيدنا المرتضى - قدس روحه - وجها آخر في ذلك ، وهو أن قال : يمكن حمل ذلك على حقيقته ، بأن يقال : بدا لله بمعنى أنه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهرا له ، وبدا له من النهي ما لم يكن ظاهرا له ، لأن قبل وجود الأمر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين ، وإنما يعلم أنه يأمر أو ينهى في المستقبل ، فأما كونه آمرا وناهيا فلا يصح أن يعلمه إلا إذا وجد الأمر والنهي ، وجرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم بأن تحمله على أن المراد به : حتى نعلم جهادكم موجودا ، لأن قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا ، وإنما يعلم كذلك بعد حصوله ، فكذلك القول في البداء ( 1 ) ثم قال : وهذا وجه حسن جدا . وابتداء بدء الأمور بيده - بمفتوحة ثم ساكنة وهمزة - أي ابتداء أوائل الأمور بقدرته . والبدي - بالتشديد - : الأول ، ومنه : الحمد لله بديا . وقولهم : أفعل ذلك بديا أي أول كل شيء . والبدي : البئر التي حفرت في الإسلام وليست بعادية . ومنه : حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعا .
--> ( 1 ) يذكر في سلط حديثا في البداء - ز .